فصل: (سورة الرعد: آية 41)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[سورة الرعد: آية 15]

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (15)}
وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ} [15]. وهذه استعارة. لأن أصل السجود في اللغة الخضوع والتذلل.
إمّا باللسان الناطق عن الجملة أو بآثار الصنعة وعجائب الخلقة. ثم نقل فصار اسما لهذا العمل المخصوص الذي هو من أركان الصلاة، لأنه يدل على تذلّل الساجد لخالقه، بتطامن شخصه، وانحناء ظهره. وقد ذكر في بعض الأخبار أن جدنا جعفر بن محمد عليهما السلام سئل عن العلة فيما كلف اللّه سبحانه من أعمال الصلاة وسائر العبادات، فقال: أراد اللّه سبحانه بذلك إذلال الجبارين. فإذا تمهد ما ذكرنا كان في ذكر الظلال فائدة حسنة، وهو أن الظل الذي هو في سجود الشخص وهو غير قائم بنفسه، إذا ظهرت فيه أعلام الخضوع للخالق تعالى بما فيه من دلائل الحكمة وعجائب الصنعة، كان ذلك أعجب من ظهور هذه الحال في البنية القائمة بنفسها، والمعروفة بشخصها.

.[سورة الرعد: آية 17]

{أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (17)}
وقوله سبحانه: {كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ} [17].
وهذه استعارة. والمراد بضرب الأمثال- واللّه أعلم- معنيان: أحدهما أن يكون تعالى أراد بضربها تسييرها في البلاد، وإدارتها على ألسنة الناس. من قولهم: ضرب فلان في الأرض. إذا توغل فيها وأبعد في أقاصيها. ويقوم قوله تعالى: {يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ} مقام قوله ضرب بها في البلاد.
والمعنى الآخر في ضرب المثل أن يكون المراد به نصبه للناس بالشهرة، لتستدل عليه خواطرهم، كما تستدل على الشيء المنصوب نواظهرهم. وذلك مأخوذ من قولهم: ضربت الخباء. إذا نصبته، وأثبتّ طنبه، وأقمت عمده. ويكون قوله سبحانه: {كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ} [17]. إلى هذا الوجه. أي ينصب منارهما، ويوضح أعلامهما، ليعرف المكلفون الحق بعلاماته فيقصدوه، ويعرفوا الباطل فيجتنبوه.

.[سورة الرعد: آية 33]

{أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33)}
وقوله سبحانه: {أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ} [33] وهذه استعارة.
والمراد به أنه تعالى محص على كل نفس ما كسبت، ليجازيها به. وشاهد ذلك قوله سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا}. أي ما دمت له مطالبا، ولأمره مراعيا، لا تمهله للحيلة، ولا تنظره للغيلة. وقد استقصينا الكلام على ذلك في كتابنا الكبير.
وإذا لم يصح إطلاق صفة القيام على اللّه سبحانه حقيقة، فإن المراد بها قيام إحصائه على كل نفس بما كسبت، ليطالبها به، ويجازيها عنه بحسبه. والقيام والدوام هاهنا بمعنى واحد. والماء الدائم هو القائم الذي لا يجرى.

.[سورة الرعد: آية 41]

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (41)}
وقوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها} [41].
وهذه استعارة. وقد اختلف الناس في المراد بها، فقال قوم: معنى ذلك نقصان أرض المشركين، بفتحها على المسلمين. وقال آخرون: المراد بنقصانها: موت أهلها، وقيل موت علمائها.
وعندى في ذلك قول آخر، وهو أن يكون المراد بنقص الأرض- واللّه أعلم- موت كرامها. وتكون الأطراف هاهنا جمع طرف. لا جمع طرف، والطّرف هو الشيء الكريم.
ومنه سمّى الفرس طرفا، إذ كان كريما. وعلى ذلك قول أبى الهندي الرياحي:
شربنا شربة من ذات عرق ** بأطراف الزجاج من العصير

أي بكرائم الزجاج. ولم يمض في هذا القول لأحد. هـ.

.فصل في التفسير الموضوعي للسورة كاملة:

قال محمد الغزالي:
سورة الرعد:
فى الآية الأولى من سورة الرعد يخاطب الله نبيه قائلا: {والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}! هل هناك عذر للكثرة التي أعرضت عن الحق ورفضت الانقياد إليه؟ لا. فلنفرض أن وحيا لم ينزل، أليس في إبداع هذا العالم ما يشهد لصاحبه بالألوهية والعظمة؟ إن النظر السديد في آفاق السموات والأرض شاهد صدق على أن جحد الألوهية غباء، وعلى أن الأصفار التي اعتبرت شركاء خرافة مزدراة...! ونترك قليلا الآيات التي وصفت الكون وكشفت آيات الله فيه، ونتابع التأمل في هذه الآية: {والذي أنزل إليك من ربك الحق} فنرى صلة لها بآية أخرى من قلب السورة: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} إن هؤلاء العالمين بحقائق الوحى هم الفضلاء الذين استقامت سيرتهم بعدما استنارت سريرتهم،وقد أحصت الآيات- بعد ذلك- صفاتهم بدءا من قوله تعالى: {إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} وقد تضمنت الآيات هنا عشر وصايا، من استجمعها كان أهلا للجزاء الأوفى: {أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم}. وأولى هذه الوصايا: العقل الناضج، وثانيتها: الوفاء بالعهد الأعظم المأخوذ على الفطرة البشرية أن تتجه إلى ربها.. ولا تشرك به شيئا... وتكرر الحديث عن الوحى النازل، وعن قيام الرسول بتبليغه في قوله تعالى بعد ذلك: {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب}.
وقد قاوم الأميون من العرب هذه الرسالة مقاومة شديدة، وكان محور عنادهم طلب خارق من خوارق العادات يشهد بصدق الرسول. وقد بينت آيات أخرى أنهم لو أجيبوا إلى مقترحاتهم ما آمنوا ولحاق بهم الهلاك. أما في هذه السورة قد صيغ الإنكار والرد في عدة صور:
1-: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}.
2-: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب}.
3- ويمضون في كفرانهم ليصلوا إلى هذه النتيجة: {ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب}. والواقع أن فاقد البصر في الكون لا ينتظر منه إيمان سليم، ومن لم يحسن النظر في نفسه وفى أجهزة جسمه وعقله لا يتوقع منه أن يعرف الله معرفة قيمة حتى لو مشى في قوافل المؤمنين مع جمهور المقلدين..!! وقد خوطب الرسول صلى الله عليه وسلم بتلاوة الوحى في سور كثيرة: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة...}. {وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}. وجاء في هذه السورة: {... لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك}. التلاوة المعنية هنا ليست قراءة مجردة، إنها تفصيل منهج، وخطة عمل، وإنذار مبين! وهى أساس ما ينبنى عليها من تزكية تقدمها برامج التربية المختلفة، وتلاوة القرآن صيانة لأحرفه مما أصاب كتبا سابقة، وتقديم التوجيه الإلهى المصفى إلى الأمة العربية لتنهض برسالتها، فإن وقت نجت، وإلا فالعقاب لها بالمرصاد: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد}. والرأى السائد أن سورة الرعد مدنية نزلت بعد سورة محمد، والذي أميل إليه أنها مكية، وأسلوبها يرجح ما أرى، لاسيما والمشركون يلحون فيها على طلب معجزة حسية مثل ما حكت سورة الأنعام ويونس والإسراء... إلخ.
قلنا: إن الآية الأولى جاء فيها قوله تعالى: {والذي أنزل إليك من ربك الحق} وفى أواخر السورة نقرأ قوله تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب}. في هذه الآية نبوءة تحققت. فإن الإسلام عندما قرع أبواب مصر والشام، سرعان ما هوت إليه القلوب، ودخل النصارى في دين الله أفواجا، واعتنقوه، وصاروا حملته وحماته. ومعروف أن بيت المال خرب لسقوط الجزية بعدما آمن الناس حتى اضطر الوالى في مصر إلى استبقائها على من أسلم! لولا أن عمر بن عبد العزيز كتب له: ويحك، إن محمدا بعث هاديا ولم يبعث جابيا، ضع الجزية عمن أسلم. نعم ولو خرب بيت المال..!! ونصارى مصر والشام وسائر الأمم الأخرى التي شرحت بالإسلام صدرا أضحت عربية بالتجنس والدين، فالتعريب مورد مفتوح ينمو به الكيان العربى ويتجدد، وفيهم تقال الآية: {وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق}. وكلمة الحكم تعنى السلطة السياسية، والحكمة القرآنية على سواء. وقد انتشر الإسلام في أطراف الجزيرة قبل أن يدخله أهل مكة الذين بقوا على وثنيتهم إلى عهد متأخر، وهذا معنى قوله تعالى: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب}. القرآن دليل ناطق يقود إلى الله، والكون دليل صامت يعزف به. وكلا الدليلين يحتاج إلى يقظة العقل ودقة الشعور، وإلا فالغفلة والبلادة لا تجيئان بخير أبدا. ولذلك يكثر في القرآن الكريم قوله تعالى: {أفلا تعقلون}؟: {أفلا تذكرون}؟. وفى إيقاظ الحس النائم نقرأ الآية الكريمة: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}. ألا يستدعى التأمل أن ترى في قطعة واحدة من الأرض شجرة عنب وشجرة ليمون وشجرة حنظل وشجرة شوك تسقى جميعا بماء واحد، ويختلف الجنى والمذاق واللون والأثر؟. ألا يستدعى التأمل أن ترى الدودة تأكل من ورقة التوت فتضع حريرا؟ وتأكل منه النحلة فتضع عسلا؟ وتأكل منه الشاة فتضع بعرا؟؟.
إن الإرادة العليا نوعت الأنواع، وصنفت الأصناف في فجاج الأرض وآفاق السماء على نحو مثير، ومع ذلك يجئ امرؤ ملحد فيقول، لا إله!! فماذا إذا؟ ويجئ آخر فيقول للرسول: لا أومن حتى تنسف هذا الجبل وتنشئ مكانه بستانا لى!! كأن رب الكون يستجيب لعبثه!. ويتحدث القرآن عن عظمة الخالق في تناسل الأحياء من إنسان وحيوان وطير وزواحف، إنها ألوف مؤلفة في البر والبحر والجو، إنها مليارات تتلاقح وتتكاثر، وتمر أجنتها بمراحل مكتوبة محسوبة، فما تنخرم سنة، ولا يضطرب نظام: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} في الأجواء أو الغابات أو الجحور أو الأسرة: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال} وفاعل هذا كله هو الذي رفع السموات، ما يشغله شأن عن شأن، ورصعها بالنجوم فما يسقط من مكانه أو يزل عن مداره نجم!. وهناك حفظة للإنسان تحميه الغوائل العارضة بالليل والنهار، ترى هل عناصر المناعة التي تدافع الجراثيم الغازية من آثار هذه النعمة؟ إن هذه الحفظة من أوامر الله على كل حاك.. وتمضى سورة الرعد في شرح مظاهر القدرة، وسابغ الفضل على نحو لا مثيل له في كتاب مضى أو بقى، ثم ترسل هذه الأسئلة مشفوعة بأجوبتها الفريدة: {قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار}. إن هذه السورة بدأت بالحديث عن الكون ودلالاته على الله سبحانه، ثم أفاضت في موقف الإنسان من القرآن الذي شرح هذه الدلالات ونبه إليها. وقد رأيت أن أؤخر الكلام عن الكون، وأبتدئ بالقرآن، لأنى راغب في إطالة الحديث عن الكون، فالمسلمون يعيشون غرباء فيه، وهم أبعد الناس عن علومه، وما يخدم القرآن بشيء كما يخدم بدراسة العالم وما فيه..!! قلت في نفسى لو أنى على بعد مائة ميل من كوكب الأرض فماذا أرى وماذا اسمع؟؟. هل أرى سحب الأدخنة والأتربة التي لوثت الجو وعكرت صفاءه؟. هل أسمع عاصفة الضوضاء التي تنبعث من المركبات والمصانع والتى غطى ضجيجها كل شيئ؟ أعرف أن لهذا الكوكب أجلا مسمى، فهل هو يستعجله ويسعى إلى حتفه بظلفه؟.
ثم ماذا نحن في هذا الكون الكبير؟ قرأت أن علماء الفلك اكتشفوا ما يعتقدون أنه ثقب أسود في مجرة نائية أكبر مائة مرة من أى ثقب أسود تم اكتشافه من قبل!. وذكر راديو صوت أمريكا أن العلماء يعتقدون أن هذا الثقب الهائل يضم ألف مليون نجم! وأن تجمع النجوم والمواد الأخرى فيه يشكل مركزا كثيفا للجاذبية، يبلغ من القوة أنه لا يفلت منه شيء حتى الضوء...!. قلت: إذا كان هذا ثقبا في جانب من الكون فما يكون الكون نفسه؟ يبدو أن ما بين السموات والأرض أعجب منها..!. وانفتح أمامى أفق عريض عامر بالدلائل على عظمة الله وعلو شأنه: {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون}. قد أرى حولى جماهير من الناس، وقد أرى محيط الأرض وأنا داخل قمر صناعى. لكن القصة ليست رؤية إنسان من بين مليارات الأناسى، إن هذا الإنسان وحده كون صغير! على جلده مائة ألف شجرة- أعنى مائة ألف شعرة- تنمو وتنقصف: ليعود مكانها مثلها!. لعل الشعر أهون ما في الإنسان، فلننظر إلى ألوف مؤلفة من كرات الدم تسبح في عروقه، إنها كرات متجددة، لها مصانع تنشئها وترسلها حسب الحاجة. ولننظر إلى شبكة الأعصاب المنتشرة في الجسم، إنها تتلقى الأوامر ليلا ونهار، من المخ الذي عجز البشر عن معرفة تلافيفه المعقدة، ووظائفها الخطيرة. من فجر الإنسانية إلى الآن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يدبر ربنا شئون هذه الأجساد، ومايعرض لها من بؤس ونعمى: {وأن إلى ربك المنتهى وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا..}!! إن الكون كبير كما كشف العلم، ولكن الله أكبر كما يجب أن يشعر العلماء. في مجتمعاتنا- نحن البشرـ نرى الساسة الكبار مثلا مشغولين بالأمور الكبيرة غافلين عن الصغائر، لكن رب العالمين لا يشغله شأن عن شأن، فهو يسمع مواء هرة معذبة، ويدخل من عذبها النار، كما يسمع دعاء جماهير بائسة ويجزى الظالمين بما كانوا يعملون. إنه يسمع سقوط ورقة من شجرة، ويرى تجلط الدم في عرق، كما يرى ويسمع قصف الرعد في السماء، وأفول نجم في الفضاء «سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته». اهـ.